محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
22
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
قوله : بَعْدَ الَّذِي ولا في قوله في سورة الرعد : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ وهل لاختصاص هذا المكان فائدة دون المكانين الآخرين ؟ . . قلت : هنا فائدة تقتضي « من » وليست في الآيتين الأخريين ، وهي أن أمر القبلة مخصوص بفرائض مضيقة وأوقات مخصوصة لها في اليوم والليلة مؤقتة ، فخص ب « من » التي هي لابتداء الغاية ، والقبلة شرع كان يجوز نسخه كما نسخ ما هو مثله ، فكأنه قال هناك : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ من الوقت الذي جاءك العلم فيه بالقبلة التي وليتها وأمرت بالتوجه نحوها صرت من الظالمين ، فلما تخصص بوقت مضيق محدود ، لم يكن بد في المعنى من العلم بالوقت الذي نقل فيه عن القبلة الأولى إلى غيرها ، وليس كذلك ما بعد قوله : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى لأن العلم الذي وقع التوعد معه على اتباع أهواء أهل الكتاب لم يتخصص وجوب العلم به بوقت دون وقت ، إذ كان واجبا في الأوقات كلها ، ولم يكن مما يجوز أن ينسخ ؛ لأنه علم بالإيمان وصحة الإسلام ، وبطلان الشرك والكفر ، فلما لم يتخصص وجوبه بوقت دون آخر لم يحتج معه إلى لفظة « من » التي هي للحد وابتداء الغاية . وكذلك الآية التي في سورة الرعد لما كان العلم المانع من اتباع أهوائهم علما بأن جميع ما أنزل اللّه حق ، وأن قول الأحزاب الذين ينكرون بعضه باطل كان هذا أيضا من العلوم التي لا يتخصص الغرض فيها بوقت يجب حده بمن ، بل هو واجب في الأوقات كلها ، فلم يكن لدخول « من » في الآيتين مقتض كما كان له في الآية المتوسطة . ومما يبين لك الأغراض التي أشرنا إليها في الآيات الثلاث ، وأنها يجوز أن تكون مقصودة واللّه أعلم ما اقترن من الوعيد بكل واحدة منها ، فالموضع الذي منعه بعلمه عن اتباع أهوائهم في قوله : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ هو منع عن الأعظم الذي هو الكفر ، فكان الوعيد عليه أغلظ ، وهو قوله : ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ والآية الأخيرة أيضا لما كان العلم بها مانعا من العلم بشطر من الدين ، وترك شطر منه كان مثل الأول في استحقاق الوعيد ، وكان مثله في الغلظة وهو قوله : ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ وأما اتباع أهوائهم في أمر القبلة فلأنه مما يجوز نسخه ، فكان الوعيد عليه أخف من الوعيد على ما هو الدين كله أو بعضه مما لا يصح تبديله وتغييره ، فصار الوعيد المقارن له دون الوعيد المقرون بالموضعين الآخرين ، وهو قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي إن فعلت ذلك وضعت الشيء في غير موضعه ونقصت الدين حقه ، فهذا الكلام في الفرق بين المواضع الثلاثة .